القاضي أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم

17

كتاب الخراج

وصله بليلته . فأمسى يوما وقد فرغ من حوائجهم فدعا بمصباح قد كان يستصبح به من ماله ، ثم صلى ركعتين ثم أقعى واضعا يده تحت ذقنه تسيل دموعه على خده ، فلم يزل كذلك حتى برق الفجر فأصبح صائما . فقلت له : يا أمير المؤمنين ، لشيء ما كان منك ما رأيت الليلة ؟ قال : أجل ، انى قد وجدتنى وليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها فذكرت الغريب القانع الضائع ، والفقير المحتاج ، والأسير المقهور وأشباههم في أطراف الأرض ، فعلمت أن اللّه تعالى ساءلني عنهم وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم حجيجى فيهم ، فخفت أن لا يثبت لي عند اللّه عذر ، ولا يقوم لي مع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حجة ، فخفت على نفسي ، وو اللّه ان كان عمر ليكون في المكان الذي ينتهى اليه سرور الرجل مع أهله فيذكر الشئ من أمر اللّه فيضطرب كما يضطرب العصفور قد وقع في الماء ، ثم يرتفع بكاؤه حتى أطرح اللحاف عنى وعنه رحمة له . ثم قالت : واللّه لوددت لو كان بيننا وبين هذه الامارة بعد ما بين المشرقين قال : وحدثني بعض أشياخنا الكوفيين . قال قال لي شيخ بالمدينة : رأيت عمر ابن عبد العزيز بالمدينة وهو من أحسن الناس لباسا ، وأطيبهم ريحا ، ومن أخيلهم في مشيته ، ثم رأيته بعد أن ولى الخلافة يمشى مشية الرهبان . قال : فمن حدّثك أن المشية سجية فلا تصدّقه بعد عمر بن عبد العزيز قال : وحدثني بعض أشياخنا عن إسماعيل بن أبي حكيم ، قال : غضب عمر بن عبد العزيز يوما فاشتدّ غضبه - وكان فيه حدة - وعبد الملك ابنه حاضر . فلما سكن غضبه قال له : يا أمير المؤمنين في قدر نعمة اللّه عندك وموضعك الذي وضعك اللّه به وما ولاك من أمر عباده أن يبلغ بك الغضب ما أرى ؟ قال : كيف قلت ؟ فأعاد عليه كلامه . فقال له عمر : أما تغضب أنت يا عبد الملك ؟ قال : ما يغني عنى جوفي « 1 » ان لم أردّ الغضب فيه حتى لا يظهر منه شيء

--> ( 1 ) كذا بالتيمورية . وفي المطبوعة « خوفي » . .